1. Inhalt
  2. Navigation
  3. Weitere Inhalte
  4. Metanavigation
  5. Suche
  6. Choose from 30 Languages

سياسة واقتصاد

الحياة "مستمرة" في شمال سيناء

ارتاح الجميع إلى وصف ما يحدث في سيناء بالحرب على الإرهاب. ولكن الأمر ليس كذلك بشبه الجزيرة المصرية، فهناك يعيش أهلها الذين غالبيتهم من البدو، والذين تضرروا كثيرا منذ ما يزيد الآن عن خمسة أشهر من الإرهاب والحرب عليه.

Ägypten Sinai Sheikh Zuwaid

يقضي أهل سيناء ساعات طويلة في المضافة لأن حظر التجول يبدأ في الساعة الرابعة عصرا.

ساهمت الحملات الأمنية بشكل كبير في حرق مساكن بدو شمال سيناء وسياراتهم، وحتى الأغنام لم تسلم من رصاص هذه الحرب، دون أن تعوض الدولة المتضررين، لأن لا صوت يعلو فوق صوت المعركة. حديث قصير مع شرطيّ يعمل بإحدى نقاط التفتيش يكشف ما وصلت إليه الأمور: "هناك ناس كثيرة على باطل"، ثم يقول موضحا أن الوضع، في سيناء إجمالاً " أقرب إلي حالة من الثأر. هناك ثأر بين الجميع في سيناء، قوات الأمن والجيش والأهالي. وهذا لن يتوقف الآن". الشرطي من أهل رفح، خلافاُ لأغلب رجال نقاط التفتيش القادمين من خارج سيناء، ويؤكد أن الوضع الحالي سيستمر لفترة.

حبس بحر العريش

ظلت سيناء مهملة من الدولة المصرية لعقود، ولم تقدم لها الثورة المصرية، حتى الآن، اهتماماً أفضل. ستجد صعوبة في رؤية البحر المتوسط بعاصمة شمال سيناء، العريش، حيث تمّ تخصيص كافة المنافذ للساحل لتأسيس بيوت تحتكر الشاطئ وحدها. لن تلمح البحر، خاصة أن المدينة الساحلية تبدو كمتاهة كبيرة، حيث تضطرك الإجراءات الأمنية للدوران حول العديد من المباني لكونها منتمية لـ"جهات سيادية".

هكذا تتراص أجولة الرمال والحواجز الأسمنتية لتصنع دشماً (حصونا) عسكرية بقلب العريش، لتمنع المرور أمام المباني الحكومية والشرطية. حتى إن المنافذ لسيناء تأثرت بهذه الحرب، حيث يستمر إغلاق جسر السلام العابر فوق قناة السويس منذ إعلان وزير الدفاع المصري، عبد الفتاح السيسي الحرب على الإرهاب (قبل 5 أشهر). والسبيل الوحيد لعبور سيناء مقصور علي عبارتين صغيرتين فقط، تتكدس فيهما السيارات الملاكي والنقل، وكذلك عربات الجيش والشرطة بحمولاتها الثقيلة.

رحلتنا إلي سيناء، بصحبة الكاتب مسعد أبو فجر، عضو لجنة تعديل الدستور المصري، استغرقت مدة زادت عن الأربع ساعات من محافظة الإسماعيلية. وقد كانت لا تستغرق أكثر من ساعتين قبل بداية "الحرب على الإرهاب"، بسبب بطء حركة عبور قناة السويس ونقاط التفتيش المنتشرة.

التصوير الممنوع

Massad Abu Fajr

الكاتب مسعد أبو فجر، عضو لجنة تعديل الدستور المصري:

منذ بدأت "الحرب" ومنطقة "الشيخ زويد" (تقع على الطريق بين العريش ورفح، وتصل مساحة هذه المنطقة إلي 783 كيلومترا مربعا) تعيش بلا خدمات تغطية إنترنت أو شبكات محمول، مع منع للحركة يبدأ من الساعة الرابعة عصرا يومياً، وانقطاع يومي للكهرباء، مع استمرار حملات الجيش العشوائية على المنازل.

سيناء كلها منطقة حرب، يشرف عليها الجيش الثاني الميداني، وقائده الجنرال أحمد وصفي. لهذا فإن التصوير ممنوع داخل سيناء. الطرق كلها تحت سيطرة الجيش، والمدن كذلك. حينما توجهت نحو "الشيخ زويد" تخوف العديد ممن قابلتهم من التصوير "أحمد وصفي لن يتركنا لحالنا"، حتى إن "معمر"،مضيفنا، يقول ساخراً "لو أن "وصفي" عرّف باستضافتنا لصحفي لهدم بيتنا". هكذا ينتشر الخوف في كل مكان، الجميع يؤكد أنه ليس إرهابياً، لكنهم يريدون أن يعرف العالم ما يجرى على أرضهم، أن يخرج ما يحدث بسيناء خارجها، لكن ذلك ليس بالأمر اليسير خاصة أن أهل سيناء لم يجدوا الطريقة الأمثل لتوثيق ما يجري في ظل العزلة المفروضة منذ أشهر.

في العريش، وبكل المدن السيناوية، ستلمح مكاتب المخابرات، منها واحد يحمل لافتة "مكتب شئون البدو". أسأل من قابلتهم من أهل سيناء مندهشا: كيف يكون هناك مكتب للبدو وهم أهل المكان؟ يقول مسعد أبو فجر، الكاتب وعضو لجنة الخمسين لتعديل الدستور: "كانت هذه هي نظرة الدولة". الوضع لم يتحسن، حيث انضم إلى تحالف المخابرات وأمن الدولة قبل الثورة، شريك جديد هو الجيش. التعليق المناسب قاله أحد مزارعي منطقة الشيخ زويد:"نحن، وحدنا من عمّرنا سيناء، أين كانت الدولة ونحن نؤسس مدننا؟"، ثم يشير إلي أن ما يجري "تخريب لحياة الناس والمكان".

أضرار الحرب

"بنزينة وطنية". محطة التزود بالوقود الأكثر أهمية بمصر، وتزداد أهميتها بسيناء لتكون موقعاً إستراتيجياً. ممنوع تصوير هذه المحطة لأنها تعد منشأة عسكرية، وأي خلاف قد يحدث داخلها سينتهي أمام القضاء العسكري. دخلنا المحطة بالسيارة للتزود بالوقود وشراء القهوة، صوّب رجال الجيش أسلحتهم نحونا وطالبونا بمغادرة المحطة.

قلنا نريد أن نشتري القهوة، جاء هتاف آمر من أعلي إحدى البنايات بالمحطة "اركن السيارة خارج المحطة". المحطة التابعة للقوات المسلحة المصرية تمنع انتظار السيارة داخلها، لكن لا أحد يمانع من تجول الناس داخل هذه "المنشأة العسكرية"، وهي واحدة من عجائب الحرب على الإرهاب. أكثر من مرة صوبت نحونا الفوهات لدخولنا نقاط التفتيش ونحن نحمل أكواب الشاي، أو لتحرك السيارة مباشرة نحو النقطة، أو لعدم سيرنا بالاتجاه المعاكس خلافا لحركة المرور، لأن نقطة التفتيش قررت إغلاق إحدى جهات السير بالكامل. نحن كنّا نشاهد وقائع حرب مرتبكة وعشوائية كذلك.

السيارة الرسمية للإرهاب

Ägypten Sinai Sheikh Zuwaid

التلميذ شاهر من قرية الظهير في الشيخ زويد

في شمال سيناء أصبحت هناك سيارة رسمية للإرهاب، دخولها لأي نقطة تفتيش يعني الخطر ورفع حالة الاستعداد وربما إطلاق النار المكثف حتى يقتل كل من بداخلها. والسيارة الأخطر في سيناء هي سيارة تنتمي لماركة هيونداي، ولكن الموديل كان مخصصا للسوق المصرية فحسب. هكذا أصبح الأمن بكل "كمين" يترصد السيارة "الفيرنا"، التي تتسم بالسرعة وخفة الوزن في آن، فقد ارتبطت حوادث اقتحام نقاط التفتيش بسيارات الفيرنا المفخخة، كما أن "الموتوسيكلات" تمثل الخطورة نفسها بالنسبة للرجال الذين يحاربون الإرهاب.

الزيتون مقابل التعليم

ستلمح على الطريق الدولي السريع بسيناء مجموعات من الأطفال يحملون الحقائب متجهين للمدارس. هكذا يسيرون، بإصرار، على الطريق في مجموعات دون خوف. رانيا كانت تذهب لمدرستها يوميا بعربة نصف نقل. تدفع أسرتها كل موسم ما قيمته 350 جنيها من الخوج أو الزيتون، مقابل نقل البنت للدراسة بهذه العربة، التي شهدت وفاتها برصاصة في الرأس من جانب رجال الأمن وحربهم المُدعاة على الإرهاب. أما هذا العام فلن يتسنى للعديد من الأسر الدفع بسبب الحملات الأمنية التي دهست وأحرقت أشجار الزيتون.

يدرس شاهر بمدرسة إعدادية بقرية الظهير (الشيخ زويد). هناك يدرس اللغات وطرق التعامل مع الإنترنت. الدراسة منتظمة ولم تتأثر بما يجري. ورغم أن المدرسة تقع وسط مربع سكني شهد العديد من المآسي بسبب الحملات الأمنية، إلا أن شاهر يذهب للمدرسة يومياً سيراً على الأقدام. كما يواظب على الجلوس بالديوان وسط حديث أهله عن السياسة والحياة في ظل الحرب على الإرهاب ممسكاً بكتابه الدراسي.

أباريق الحرب

كنا نجلس حول النار، ننتظر إعداد الشاي. يحكي "معمر" عن إبريق شاي جديد يستخدمه الناس في سيناء. البراد المستحدث نتاج مباشر للحرب على الإرهاب، حيث واظبت قوات الجيش على استخدام كشافات استطلاع للمساحات التي يهاجمونها ليلاً. الكشافات تتسم بخاصية انتفاخ مظلة تمنحها فرصة للتحليق لمسافة تكشف ما أسفلها من مساحات، وبعدما تفقد الغاز وتسقط على الأرض يقوم البدو بجمعها وتنظيفها لتستخدم بطريقة أخرى. اكتشف أهل سيناء أن الكشافات أفضل من أباريق الشاي، شكلها مميز وجديد كما أنها تحتفظ بدرجة الحرارة بشكل أفضل، وهو ما يتناسب مع جوّ السهرة البدوية، حيث لا يتوقف صنع الشاي وصبه في أكواب صغيرة في ليالي الحظر الطويلة، بعدما تتوقف الحياة عند الرابعة عصراً.