″البيت الطائرة″ - حلم شاب قبائلي يتحول إلى أسطورة في الجزائر | ثقافة ومجتمع | DW | 13.02.2018
  1. Inhalt
  2. Navigation
  3. Weitere Inhalte
  4. Metanavigation
  5. Suche
  6. Choose from 30 Languages

ثقافة ومجتمع

"البيت الطائرة" - حلم شاب قبائلي يتحول إلى أسطورة في الجزائر

تحولت، قصة البيت الطائرة، بولاية تيزي وزوالقبائلية شرق الجزائر، إلى أسطورة ملفوفة بقصص الحب والموت، غذّاها الكتمان والغموض. DW عربية تنقل من قرية "ثالة تغلا" ببلدية بوجيمة، روايات أهل البلدة لقصة الطائرة المثيرة للفضول.

Algerien Flugzeug-Haus in Tiziouzou (DW/S. Ghalem)

في بلدة بوجيمة الجزائرية ترقد هذه الطائرة الاسمنتية على هضبة وتحولت قصتها إلى أسطورة

 

بمطلع الألفية الثالثة، فاجأ، شاب قبائلي، سكان القرية ببناء بيت في شكل طائرة بجناحين يُحلقان به في أحلام وردية تجمعه في عش الزوجية بخطيبته "زهور" (اسم مستعار)، إكرامًا وتأكيدًا على حبّه الشديد لها بحسب الرواية الأكثر تداولاً بين الناس.

تنقلنا إلى البلدة الصغيرة، لتقفي قصة "البيت الطائرة" وصاحبَها، الرجل الذي صار من رموز وأساطير الضاحية، فانطلقنا ذات سبتٍ وهو يوم إجازة نهاية الأسبوع، وسط طريقٍ شاقة وملتويةٍ على مسافة قاربت المائتي كيلومترٍ شرقي العاصمة الجزائرية.

تتوغّل المركبة بنا في منطقة جبلية وعرة، ومرافقنا "أسامة" يلتفت يمينًا وشمالاً علّه يلتقط جناحي الطائرة مثلما بلغ مسامعنا قبل الرحلة، وعلى بعد نحو 3 كلم من مدخل قرية "أقنوف أفقوس" وتعني بالعربي "ملعب البطيخ"، تراءت لنا طائرة إسمنتية ضخمة بهضبة مرتفعة، وتكادُ تُغطّي القرية بجناحيها المبسوطتين على أعلى نقطة بالموقع.

دخلنا القرية، واقتربنا من بعض شبابها، للحديث حول الموضوع الذي نُسجت بشأنه قصص لها بداية تبحث عن نهايات، ترفض الأسرة ومعارف "صاحب الطائرة"، الخوض فيه، لكن متحدثين من القرية أجمعوا بأن الفتى ذو أخلاق حميدة، مثلما هو معروف، وصاحب أعمال تطوعية، جعلته من بين الأفضل بين أقرانه.

قررنا، بعد حوالي الربع ساعة من الحديث لهؤلاء، زيارة المجسم الأسطوري، واتجهنا رأسًا إلى الطائرة للوقوف على حقيقة هذا البيت، في هذه الأثناء لم يبخل علينا مرافقونا من شباب القرية بسرد بعض تفاصيل إنجاز هذه البناية غير المكتملة. ولإتمامها"اضطر صاحب الحكاية لبيع مركبة النقل العام التي كرّس بها لأعمال تطوعية في مرات عديدة، وبأموالها اشترى الإسمنت وحديد البناء لإتمام ما بدأه"، حسب روايات يتداولها الأهالي.

كما يستذكر، بعض أبناء القرية، مغامرات صاحب "الطائرة الإسمنتية" في نقل المعدات بواسطة جرار زراعي، وقد تعرض في مرات عديدة لحوادث سير لم ينجُ من إحداها حين انقلب به الجرار لصعوبة التضاريس، وتنتهي مع الحادثة قصة "الر جل الأسطورة"، في ربيع 2004، وهو الفصل الذي يعيد فتح الجراح بالقرية.

Algerien Flugzeug-Haus in Tiziouzou (DW/S. Ghalem)

الشاب الذي شيد هذه الطائرة الاسمنتية توفي قبل أن يقدمها كهدية لخطيبته

"الطائرة ستقلع مجددا"!

ثمة إجماع هنا، على إنهاء البناية الأسطورة الذي يستقطب حاليًا مئات الزوار من الجزائر وخارجها، ما حرك مبادرة شبانية لتأطير مبادرة شعبية بدون أيّ دعمٍ حكومي، بـ"غرض تحقيق حلم الشاب الذي لم يتجسد في حياته، ونحن نعمل على إهدائه لروحه" يُبرز متحدث لـ DW. على أن يحافظ "البيت الطائرة" على فكرته الأصلية وهي أربع غرف واسعة، اثنتاها تُطلاّن على الجناحين والأخريان تؤسسان على المقصورة حيث غرفة التحكم المفترضة تطلُّ على السكان القرويين.

"بوجيمة"..مدينة الصخور والتماثيل الخالدة 

ويكشف أمحمد السعيد سعد الله عضو جمعية "أقنوف أقوس" الثقافية في حديثه لــــ DW أنّ تجسيد هذا الحلم سيدعم ثراء المنطقة المعروف عن شبابها بنحت تماثيل ملوك الأمازيغ ونشطاء القضية الأمازيغية في الجزائر، مضيفًا أن جمعيته تعمل بمعية فعاليات من المجتمع المدني على إحياء التراث المحلي لسكان القبائل الأوائل والذين احترفوا نحت الصخور.

Algerien Maatoub Lounes-Statue in Tiziouzou (DW/S. Ghalem)

المغني الجزائري الراحل لوناس معطوب ..نحت للفنان الراحل ببلدته في منطقة القبائل

يقول سعد الله إن قرية تُراكم تاريخًا يعود إلى القرن الـ14 ما قبل الميلاد، حيث امتهن أهاليها الزراعة وتربية الحيوانات مثلما تُظهره نقوش كثيرة وجُدت على صخور تعلو الجبال.

ويضيف بشأن خصوصية أخرى وهي صخرة العقلاء (آزرو إيفيازن) التي يقصدها شيوخ القرى التابعة لبلدة "بوجيمة" لحلّ خلافات السكان ودراسة انشغالاتهم قبل رفعها إلى مسؤولي محافظة تيزي وزو ووزراء الحكومة الجزائرية.

ويُعارض، الناشط استمرار حرفيي الصقل في استغلال الحجارة لصنع تماثيل تُباع بأثمانٍ بخسة على حواف الطرقات، داعيًا السلطات إلى حماية "تراث الأجداد" وفق التشريع ساري المفعول والذي يصنف الآثار ضمن المحميات التي يُمنع المساس بها.

عهد الحجارة أو شبح"السيليكوز"

نجم عن حرفة صقل الحجارة في هذه المنطقة، تعرض العشرات من السكان إلى الإصابة بمرض  يسمى "السيليكوز" وهو مرض صدري ناتج عن استنشاق جزيئات غبار السيليس البلورية الحرة صغيرة الحجم، التي تصل إلى المحويصلات الهوائية، وقد أدت بكثيرين إلى الموت، ما جعل نشطاء وفاعلين بالمجتمع المدني يرفعون نداءات استغاثة لتدخل السلطات قصد منع النشاط غير القانوني لصقل الحجارة ببلدة "بوجيمة".

Algerien Flugzeug-Haus in Tiziouzou | Rachid Chahid (DW/S. Ghalem)

الدكتور رشيد شاهد متخصص في الأمراض الصدرية بتيزي وزو

يكشف الطبيب المختص في الأمراض الصدرية والحساسية، رشيد شاهد، أن "أرقام ضحايا هذه المهنة في ارتفاع رهيب سنويا، ولا توجد أرقام محددة لأن عملهم غير مؤمَّن لدى الجهات المعنية، كما أن غالبيتهم شباب لا تتعدى أعمارهم الـ 45 سنة."

ويواصل، الطبيب شاهد حديثه لـ DW :"أعرف شبابًا يعاني من مرض السيليكوز، توفوا بعد 5 سنوات من العلاج في هذه المصحة (تقع بوسط محافظة تيزي وزو)، والسبب راجع إلى الغبار الناتج عن عملية صقل الحجارة، الذي يسبب التهابات على مستوى الرئة ويمنع من دخول الأكسيجين، ومع مرور الوقت يفقد المريض القدرة على التنفس إلى أن يموت".

وأضاف، شاهد، أن "مرض السيليكوز عند اختراقه جسم الإنسان، لا يمكن التحكم فيه، لأن حبيبات الغبار التي تدخل الرئة تحدث فيها جفافًا، وتشكل حاجزًا أمام دخول الأكسيجين إلى الرئة". ويشدد أن "حرفة صقل الحجارة حاليًا أصبحت قاتلة بسبب الآلة المستعملة، والتي تخلف أضرارًا جسيمة على الصحة، خلافًا لما كان متداولا في القدم لأن الأولين كانوا يستخدمون أدوات تقليدية لكسب رزقهم من هذه الحرفة".

ويكاد الطبيب ذاته يجزم أن التوعية بخطورة امتهان صقل الحجارة وسط المجتمع المحلي، لا يؤدي إلى أية نتيجة إيجابية، مضيفًا بقوله:"قمنا قبل 6 سنوات بتنظيم فعاليات تحسيسية بالشراكة مع سلطات المحافظة المحلية، ولكن السكان الذين بدؤوا امتهان الصقل، يرفضون التوقف على ممارساتهم، وقد صدمنا كثيرون بإصرارهم على الوضع القائم، ولذلك لا يمكن توقّع نهاية عهد الحجارة، أو التنبؤ بعدد الوفيات".

سمير بوترعة - الجزائر

مختارات