1. Inhalt
  2. Navigation
  3. Weitere Inhalte
  4. Metanavigation
  5. Suche
  6. Choose from 30 Languages

خاص: العراق اليوم

الاتفاقية... أو الطوفان!!

عبد الخالق حسين

كل شيء في العراق صعب، وكل مشاريعه ومراحله التاريخية لا تولد إلا يالعملية الجراحية القيصيرية، ولذلك لن أمل من الاستشهاد بمقولة حكيم السياسة البريطانية ونستون تشرتشل أن "العراق تشكل في لحظة جنون"، أو كما وصفه الحكيم على الوردي أنه ثمرة اللقاء بين البداوة والحضارة، وهو لقاء دموي، لكنه لا بدَّ منه في نهاية المطاف.

أجل، من المؤلم القول أن تاريخ العراق، القديم والحديث، دموي في كل مراحله. فالعراقيون، وخلافاً للشعوب الأخرى، هم وحدهم الذين يسعون دائماً ضد مصالحهم وتحت مختلف الذرائع والشعارات الخادعة، وبتأثير من القيم البدوية تارة، أو بتأثير رجال الدين الإيرانيين، أو بشعارات اليسار الطفولي والقومية العربية. وفيما يخص موقف هؤلاء من الاتفاقية الأمنية العراقية-الأمريكية، فقد التقت كل الأيديولوجيات الشمولية، الإسلاموية والقومية واليسارية الطفولية على التضحية بالعراق وبمستقبل أجياله القادمة باسم السيادة الوطنية والعداء لأمريكا، وكأن كل هذه الكوارث التي مر بها العراق خلال ثمانية عقود الماضية لم تكفهم، بل راحوا يصرون على مواصلة التدمير، للمزيد من الآلام والدماء والدموع.

حينما حررت بريطانيا العراق من الاستعمار التركي العثماني في الحرب العالمية الأولى (1914 -1918)، كان هذا الشعب على وشك الإنقراض، إذ بقي منه في حدود مليون ونصف المليون نسمة فقط بعد أن كان في حدود ثلاثين مليون نسمة في عهد الرشيد والمأمون كما أخبرتنا كتب التاريخ. ولكن مع ذلك وقف العراقيون ضد محرريهم دفاعاً عن جلاديهم الأتراك، فكانت حرب الجهاد وثورة العشرين وغيرها من الانتفاضات. فعند ولادة الدولة العراقية عام 1921 وبمساعدة بريطانيا، كان العراق بأمس الحاجة إلى دعم دولة عظمى مثل بريطانيا آنذاك، حيث كان الشعب العراقي يعش في ظلام دامس من الجهل، ينوء تحت تراكمات سبعة قرون من التخلف منذ غزو هولاكو عام 1258 إلى الإحتلال البريطاني عام 1914، حيث كانت الأمية في حدود 99%، وأهل العراق لم يندمجوا بعد لتكوين شعب، على حد تعبير الملك فيصل الأول، بل كانوا قبائل متناحرة، ولم تكن لهم أية خبرة في إدارة الدولة الوليدة، لذا عقد الإنكليز معهم معاهدات واتفاقيات لمساعدتهم إلى أن يكسبوا الخبرة الكافية في إدارة دولتهم. ولكن ثار العراقيون على الإنكليز، وتوالت في العهد الملكي انتفاضات شعبية وانقلابات عسكرية، إلى أن قضي عليه في ثورة 14 تموز 1958. وكان ما كان بعد ذلك.

لقد تشرب الشعب العراقي بثقافة معاداة الغرب وبالأخص أمريكا وتحت ظروف الحرب الباردة، وصارت معاداة الغرب ورفض العلاقة معه دليل على الوطنية حتى ولو كانت في هذه العلاقة مصلحة للشعب. وهذه الثقافة التدميرية أدت بالتالي إلى ظهور أشرس جلاد في التاريخ وهو صدام حسين الذي تسبب في جلب الكوارث على العراق وشعبه.

وإذا كان لهذا العداء مبرراته في ظروف الحرب الباردة، ولكن استمراره إلى ما بعدها أمر يصعب فهمه وضار بالمصلحة الوطنية. فمنذ انهيار المعسكر الاشتراكي، وولادة النظام الدولي الجديد ذو القطب الواحد، تغيرت الدنيا ومعها العلاقات الدولية، وأصدر التاريخ حكمه العادل، فلأول مرة تلتقي مصالح أمريكا، الدولة العظمى مع مصالح شعبنا. وفي هذه الحالة، أليس من الحكمة أن نستفيد من هذه الفرصة في استثمار امكانيات الدولة العظمى لمصلحتنا الوطنية؟

يكرر أعداء العراق، والمدمنون على مفاهيم الحرب الباردة، أن أمريكا لم تحرر العراق من حكم البعث الصدامي البغيض من أجل سواد عيون العراقيين، بل لمصالحها. وأن أمريكا لها مصلحة في هذه الاتفاقية الأمنية...الخ. وهذه حقيقة لا ننكرها، كما ولا تنكرها أمريكا أيضاً. ولكن في نفس الوقت، نسأل، أليس من الوطنية أن يسعى العراقيون أيضاً وراء مصالحهم؟ فعندما نطالب بتوقيع الاتفاقية الأمنية مع أمريكا، لا يعني أننا نريد ذلك من أجل خضرة أو زرقة عيون الأمريكان، بل من أجل مصالحنا أيضاً. فالاتفاقية فيها مصالح مشتركة، والسياسة هي وراء المصالح فقط، وليست وراء ألوان العيون.

لقد بحت أصواتنا حتى مللنا من تكرارا المبدأ القائل: "ليس في السياسة أعداء دائميين ولا أصدقاء دائميين، بل هناك مصالح دائمة". وعليه فإننا نعتقد أنه من الخطأ، إن لم نقل من الغباء المفرط، إضاعة الفرصة في توقيع الاتفاقية الأمنية مع أمريكا.

فالعراق يحتاج إلى هذه الاتفاقية أكثر من أمريكا، لأن مستقبله مازال مهدداً بسبب تكالب بعض دول الجوار والإرهاب الإسلامي عليه. فبعد استئصال السرطان البعثي بعملية جراحية كبرى، مازال العراق يعاني من عواقب العملية، ومن إرهاب فلول البعث الفاشي وحلفائهم من أتباع منظمة القاعدة الإرهابية، والمليشيات المدعمة من إيران. والقوات العراقية المسلحة مازالت في طور البناء ولم تكتمل بعد، وهي مازالت مخترقة بالألوف من البعثيين والإرهابيين وأعضاء المليشيات الحزبية التي تدين بالولاء لأحزابها وليس للدولة.

وقد برز ذلك بكل وضوح في عملية (صولة الفرسان) في البصرة في شهر آذار الماضي، عندما رفض أكثر من ألف من منتسبي القوات المسلحة تنفيذ أوامر القائد العام، وانحازوا إلى جيش المهدي. ولولا تدارك الأمر بمجيء القوات الأمريكية التي انقذت الموقف، لكانت فضيحة ومجزرة كبرى بحق المواطنين بمن فيهم السيد نوري المالكي رئيس الوزاء الذي قاد الحملة بنفسه. وهذا يعني أن القوات العراقية مازالت غير جاهزة لحماية أمن المواطنين من المجرمين.

فبناء قوات مسلحة مدربة وملتزمة بالانضباط العسكري، والولاء الوطني، واحترام وتنفيذ أوامر السلطة المدنية الديمقراطية، يستغرق وقتاً طويلاً. إن تركة حكم البعث من الخراب البشري في العراق واسع وعميق، لا يمكن معالجته في أشهر، أو بإصدار قرار، بل يحتاج إلى سنوات وربما إلى عقود من السنين من المعاناة والتثقيف من أجل إزالة آثار ومخلفات البعث المدمرة. وعليه فالعراق وبامكانياته المحدودة هذه بأمس الحاجة إلى دعم الدولة العظمى لتدريب قواته ومساعدته على بناء دولته العصرية وحمايته من الأعداء في الداخل والخارج وهم كثرُ، إلى أن يكتمل ويقوى على مواجهة أعدائه بقواه الذاتية.

والأدهى والأنكى، أنه حتى الذين تسنموا مناصب عالية في الدولة العراقية الوليدة بفضل أمريكا، تنكروا اليوم لجميل أمريكا وفضلها مؤكدين مقولة تشرتشل (العراق، يا له من بركان ناكر للجميل). فماذا نقول إذا جاء نكران الجميل هذا من السادة، إبراهيم الجعفري وأحمد الجلبي وأياد علاوي، الذين ركبوا موجة مناهضة الاتفاقية، مدعين أنها ليست في صالح الشعب العراقي. فهل حقاً هم واثقون مما يقولون ويدعون؟

إن موقفهم هذا ناتج عن انتهازية صارخة وجهل مخز بقراءة الواقع العراقي. فادعاؤهم بالحرص الشديد على السيادة الوطنية كذبة لا تنطلي على أحد. فمن يصدق دعاوى هؤلاء بعد كل ما حدث؟ وكان آخر المزايدين في هذا الخصوص هو الدكتور أياد علاوي، رئيس الوزراء العراقي السابق زعيم القائمة العراقية الذي صرح لـ "إيلاف يوم 21/10/2008 قائلاً: " يجب تأجيل الإتفاقية مع واشنطن والتمديد عامًا للمتعددة ." أليس هذا اعتراف ضمني من الدكتور علاوي، أن العراق بحاجة إلى وجود القوات المتعددة، لأن القوات العراقية المسلحة ليست جاهزة بعد لمواجهة الإرهاب لوحدها؟ فأيهما أفضل يا دكتور، التمديد من مجلس الأمن الدولي، أم قرار يتخذه العراقيون أنفسهم كدولة ذات سيادة مع الأمريكان؟

أما الدكتور إبراهيم الجعفري فيبدو أنه فضّلَ مصلحة الحكومة الإيرانية على المصلحة الوطنية العراقية، إذ قال في تصريحات نقلتها وكالة الانباء الايرانية الرسمية، خلال لقائه مع رئيس مجمع تشخيص مصلحه النظام الايراني علي اكبر هاشمي رفسنجاني الاحد، ان الاتفاق الامني مع واشنطن "لا يخدم مصالح الشعب العراقي".

ومن هنا نعرف أن الدوافع الحقيقية وراء مناهضة الإتفاقية من قبل هؤلاء هي إنتهازية ناتجة عن قصر نظر. فبدلاً من مصارحة الشعب بخطورة الموقف في حالة عدم توقيع الاتفاقية، وما يترتب عليه من كوارث على شعب العراق، نرى هؤلاء يتلاعبون بمشاعر الجماهير و يزايدون على السيادة الوطنية، ويهيجون الرأي العام أكثر، في التحريض ضد الاتفاقية، اعتقاداً منهم أنهم سيزيدون من رصيدهم الشعبي في الانتخابات القادمة. ولكنهم على خطأ كبير في فهم مزاجية الشعب وما يترب على موقفهم الخاطئ من مخاطر كارثية. والمصيبة أن معظم المؤيدين للاتفاقية فضلوا الصمت طلباً للسلامة، وخوفاً من تعريض أنفسهم وعوائلهم لبطش بلطجية التيار الصدري الممول من إيران، ومن فلول البعث والإرهاب القاعدي.

أقولها بصراحة، وكنصيحة أخوية مخلصة أسديها للثلاثي، الجلبي والجعفري وعلاوي، أنكم دخلتم العراق على ظهر الدبابة الأمريكية، ولا عيب في ذلك، إذ دخل ديغول باريس على ظهر دبابة أمريكية، ولكنه لم يتنكر لفضل الأمريكان، وقد وفر لكم الأمريكان فرصة ذهبية لتختبروا إمكانياتكم القيادية والسياسية في حكم البلاد، فتسلمتم قيادة العراق، ولكنكم فشلتم فشلاً ذريعاً في أداء مهمتكم، ولم تعرفوا كيف تلعبوا أوراقكم بصورة صحيحة، لذلك فدوركم قد انتهى إلى الأبد، نعم أؤكد قولي ثانية، أن دوركم السياسي قد انتهى إلى الأبد، وأنا أتحمل مسؤولية هذا القول. لذا فنصيحتي لكم أن اتركوا السياسة (وشوفوا لكم شغلة أخرى!!)، مثل كتابة مذكراتكم، أو تصيروا كتاب عمود في الصحف إن كان لديكم ما تقدموه للناس، وإلا شرّفونا بسكوتكم رجاءً.

ونصيحة مخلصة أخرى أسديها إلى المسؤولين العراقيين وعلى رأسهم السيد نوري المالكي، أن هناك ظروفاً ومناسبات حرجة تتطلب من القائد المحنك الشجاعة والصراحة في أخذ القرارات الجريئة الصائبة من أجل مصلحة الشعب حتى ولو واجهت معارضة عنيفة من الديماغوجية الغوغائية، وحتى لو تطلب الأمر الشهادة. تذكروا الشهيد البطل أنور السادات ما قدمه من خدمة رائعة لشعبه باتفاقية كامب ديفيد عام 1978.

كما وأود أن أذكر السيد المالكي ومناهضي الاتفاقية، بالتحذيرات التي أطلقها رئيس اركان القوات الامريكية الاميرال مايكل مولن للعراقيين يوم الثلاثاء 21 أوكتوبر الجاري، من عواقب عدم توقيع الاتفاقية الأمنية مع واشنطن بالقول ان من شأن ذلك تعريض الأمن في العراق الى مخاطر جدية، إن أمن العراق "سيواجه عواقب وخيمة" اذا لم يوقع تلك الاتفاقية، التي توفر الغطاء القانوني للوجود العسكري الأمريكي في العراق. واضاف: "صار واضحا ان الوقت بدأ ينفد" وانه مع نهاية هذا العام لن تكون القوات العراقية قد اتمت استعدادها وقدرتها على تولي مهام الامن في البلاد. وكرر مولن الاتهامات الامريكية لطهران في التدخل بالشأن العراقي، بالقول ان "صار واضحا ان الايرانيين يعملون بقوة وجدية لوقف تمرير الاتفاقية". (تقرير موقع بي بي سي العربية، 21/10/2008).

لقد راجعت النسخة النهائية من مسودة الاتفاقية، فلم أجد فيها ما يضر بمصلحة العراق، أو يسيء إلى سيادته الوطنية كما يدعي مناهضو الاتفاقية، بل على العكس، وجدتها تؤكد على مصالح مشتركة، ومصلحة العراق فيها أكثر من مصلحة أمريكا. كما وهناك تأكيد وإطمئنان للمتباكين على السيادة الوطنية، في المادة 25، الفقرة 6 تنص على ما يلي: " يجوز انسحاب قوات الولايات المتحدة في تواريخ تسبق التواريخ المحددة في هذه المادة بناء على طلب أي من الطرفين. وتعترف الولايات المتحدة بالحق السيادي لحكومة العراق في أن تطلب خروج قوات الولايات المتحدة من العراق في أي وقت".

إضافة إلى فوائد كبرى كثيرة للعراق مثل، الدعم الاقتصادي والثقافي والمساعدة في إخراج العراق من البند السابع، وتحرير اقتصاده من سيطرة الأمم المتحدة، والعمل على إسقاط مئات المليارات الدولارات من الديون وتعويضات الحروب التي كبل صدام حسين العراق بها. إضافة إلى التأكيد على حماية العراق من أي عدوان خارجي في المستقبل.

والمعروف عن الأمريكان في هذه الحالات أنهم يعطون التنازلات تلو التنازلات خلال المفاوضات إلى حد معين، وعنده إذا تمادى الطرف الآخر في طلباته التعجيزية فإنهم سيغلقون الأبواب وينسحبون. أعتقد أن الأمريكان قد وصلوا إلى هذا الحد. فقد "أعرب وزير الدفاع الأمريكي، روبرت جيتس، عن تحفظه تجاه مطالب العراقيين بتعديل مشروع الاتفاقية الأمنية... وحذر مما أسماه بالعواقب الوخيمة لعدم وجود اتفاق حول وضع القوات الأمريكية او تجديد تفويض الأمم المتحدة الذي ينتهي بنهاية العام الحالي. " وقال الوزير الأمريكي إن "الوقت يمر وعلينا ان نستمر في السير قدما لكي لا يداهمنا الوقت". وأضاف: "أن المفاوضات التي استغرقت شهورا وصلت إلى مراحلها الأخيرة ما يعني أن الباب أغلق تقريبا أمام إمكانية إعادة التفاوض." أرجو من المسؤولين العراقيين أن يحملوا تحذيرات المسؤولين الأمريكيين محمل الجد.

خلاصة القول، مر العراق بكوارث متتالية كان بالإمكان تجنبها لو تصرف أبناؤه بالحكمة وبسياسية عقلانية بعيدة عن الغوغائية والدوغماتية، ولما وصلنا إلى ما نحن عليه الآن. ولكن من حسن حظ العراق أن التقت مصالح الدولة العظمى مع مصالحه، لذلك أعتقد جازماً أن الاتفاقية هي الفرصة الذهبية الأخيرة التي هي بمثابة حبل النجاة الذي جاد به التاريخ للشعب العراقي، أرجو عدم التفريط به للمرة الأف. وإذا لم يتم التوقيع على الاتفاقية هذه، فسيكون العراق في مهب الريح، وسيتعرض إلى كوارث ماحقة، والمستفيد الأكبر في هذه الحالة هو إيران وغيرها من أعداء العراق، والخاسر الأكبر هو الشعب العراقي، وعندها يجب أن لا يلوم العراقيون إلا أنفسهم. فالخيار لهم، إما توقيع الاتفاقية بنسحتها الأخيرة.. أو استعدوا للطوفان.

ألا هل بلغت؟ اللهم إشهد.

مواضيع ذات صلة