1. Inhalt
  2. Navigation
  3. Weitere Inhalte
  4. Metanavigation
  5. Suche
  6. Choose from 30 Languages

خاص: العراق اليوم

أدباء و مثقفوا "هارون الرّشيد" في عــراقنا الجــديد

سهيل احمد بهجت

ما هي طبيعة المشهد الثقافي العراقي الحالي؟ و هل استطاعت هذه الثقافة و نخبة المثقفين الذين وصلوا إلى مراتب في المسؤلية "كإتحاد الأدباء و الكُتاب العراقيين" و "وزارة الثقافة" من أن يهيئوا الثقافة العراقية لمرحلة التغيير الديمقراطي الذي ننتظره؟

المؤسف لحد الآن هو أن هناك حاجزا كبيرا جدا بين السلطة و بكل مكوناتها من شخصيات سياسية و أحزاب و بين الطبقة المثقفة العراقية التي تمتلك رصيدا ثقافيا و لكنه غير عملي على المستوى السياسي إلا بشكل محدود، و المشكلة هنا أن السياسي هو الذي يفرض شروطه الفكرية على الثقافي لكون الأخير لا يملك المال و السلطة و بالتالي يجد نفسه محصورا بين ضغط الواقع المؤلم و المباديء التي يؤمن بها و شروط السياسي التي تناقض مبادئه.

فالمثقف يؤمن بالإنسانية ـ مثلا ـ لكن السياسي يفرض عليه وجهة نظر "قومية" ـ مثلا ـ تنتهي بالعنصرية التي هي نقيض المبدأ الإنساني، و تحت ضغط الواقع المرّ يعيش المثقف صراعا نفسيا حقيقيا بين أن يكون "مثقفا" في خدمة الشعب و حقوقه أو أن يصبح "مرتزقا" على باب السياسيين ليقدم ثقافته كـ"سلعة" مخدرة يضحك بها السياسيون على أبناء البلد، و بالتالي يخسر المثقف حقيقته كمثقف.

و المثقف يؤمن بالحرية و كسر الحواجز الدينية و التقليدية لكنه يجد نفسه في مواجهة "السياسي الذي يتاجر بالدين" و السياسي القومي العنصري "الذي يرسخ العرق العشائري و يقتل المرأة"، و لأن غالبية أبناء الشعب لا يتذوقون الثقافة و يبتلعون الشعار السياسي و الديني بكل سهولة، فالمثقف يجد نفسه مرة أخرى في موقف لا يُحسد عليه.

و مشكلة النخبة الثقافية العراقية القريبة من السلطة ـ اتحاد الأدباء و الكتاب العراقيين خير نموذج ـ أنها حشرت نفسها في الأدب الرمزي "الشعر و القصة و الرواية" و هو ما لا يناسب عراق الديمقراطية و الحرية، و لكنه قد يتناسب مع السياسي الطموح إلى المزيد من السيطرة و الهيمنة و النفوذ و إضفاء حصانة عن النقد لنفسه، فهذه النخبة الثقافية همشت الفلسفة و نقد التاريخ و نقد المجتمع بكل مكوناته، رغم أن هذه المجالات الأدبية هي صاحبة التغيير الحقيقي دون تلك النصوص الرمزية التي لا تتناسب إلا و عهد الدكتاتورية و الكبت تحت المسميات الدينية و القبلية.

إن غياب المثقفين و الثقافة عن الساحة السياسية مرده إلى أن الأدباء و المثقفين ـ و الاستثناءات لا تنفي القاعدة ـ تعاملوا مع ثروتهم الثقافية و كأنها واحدة من أدوات التسلية و الترف، و هذه النوعية من الثقافة (الخيالية الرومانسية) لا تناسب الظرف الحالي للعراق، حيث جبال من المشاكل الاجتماعية و الاقتصادية و فقدان الأمن و الاستقرار اللذين بالكاد بدءا يسودان البلد و بخطوات بطيئة، فالشعوب الديمقراطية و المرفهة و المتطورة هي التي ترى في هذا الأدب قفزة نحو عوالم أخرى غير مكتشفة أو لم تكتشف بعد.

لقد نئى المثقفون الذين هم في الصدارة بأنفسهم عن السياسة و شؤون الحكم، و نحن لا نعني هنا أن يكون المثقف عضوا في حزب أو منظمة سياسية بقدر ما نريده صاحب موقف، فالفدرالية و النظام الجمهوري أو الملكي و طبيعة الفلسفة التي يحتاجها البلد، كل ذلك و أمور أخرى كثيرة هي من اهتمامات المثقفين و بالتالي لا معنى للسياسي إذا كان معزولا عن الثقافة و لا معنى للثقافة إذا لم تتداخل مع أحلام الناس و مصالحهم و رغباتهم، بينما نجد أدباءنا و مثقفينا يحاولون جهد الإمكان أن يعزلوا أنفسهم عن هذه المصطلحات، و هذا الموقف يُذكرني بمواقف رجال الدين، فهم إما أن يُحولوا الدين إلى سياسة أو يعزلوا أنفسهم كليا عن السياسة، و الأكيد أن كلا الموقفين سلبيان، فعلى الأديب و المثقف أن يهتم بالسياسة لا أن يستغل ثقافته و قناعاته لتكون تبعا للسياسة.

إن المثقف العراقي عموما مال إلى تهميش نفسه و ساعده السياسي في ذلك عندما فرض شروطه على المثقف، و هكذا تحولت الثقافة إلى مصطلح سلبي معزول عن الحياة بدلا من أن تكون الثقافة انعكاسا و منبعا للحياة، لذلك نجد أبناء الشعب ينظرون إلى المنتديات الثقافية و الأدبية كجمعيات للإسترزاق و للوصول إلى المال و قطع الأرض و الرواتب التقاعدية، فالثقافة العراقية و خصوصا التخبة لا تزال تعيش عقلية "الفن لأجل الفن" أو "الثقافة لأجل الثقافة"، و معلوم أن هذه العقلية لا تصنع أدبا يحتضنه الشعب، نعم قد يحتظنه المسؤلون و السياسيون، كما يحتظنون أي تحفة أو قطعة أثاث مرمية في قصورهم، و لكن هذا لا يعني أنها ذات قيمة حقيقية، و قد كان هذا سمة الأدب الشرقي القديم في العراق خصوصا العهد العباسي، هارون الرشيد تحديدا، و لكن هذه الثقافة لا قيمة لها الآن ما دامت لا تغير واقع الشعب، و على اتحاد الأدباء و الكتاب مراجعة هذا الانحراف و إلا فإن العراق كله سيرجع إلى عهود الظلام و إخفاق وزارة الثقافة لحد الآن يقع في الأغلب على عاتق المثقفين و أدبهم و ثقافتهم السلبية.

Website: www.sohel-writer.i8.com

Email: sohel_writer72@yahoo.com